على عكس المحميات التي تدار بشكل حكومي، يضع نظام الحمى المسؤولية على عاتق الأفراد والمجتمعات المحلية، مما يعكس قوة التلاحم الاجتماعي. قد يبدو مفهوم المحمية أكثر صرامة، إذ يقتضي وضع حواجز لفصل الإنسان عن بيئته بهدف حماية الأخيرة، فالإنسان في النهاية يسقط بشكل مباشر في خانة الاتهام، كعنصر مدمّر وعدو محتم لمحيطه. لكن الحمى تمثل فلسفة قائمة على التعاون والتفاهم، حيث يسعى المجتمع لحماية ثرواته الطبيعية وتحقيق توازن حقيقي بين احتياجاته وموارد البيئة.
الحمى في الثقافة العربية
تشير الحِمَى بالعربية إلى «المنطقة المحمية أو المحرمة»، وهي مُخصصة للحفاظ على الثروات الطبيعية، أي عادةً الحقول والحياة البرية والغابات. ذُكرت كلمة "حِمَى" بمواضع مختلفة في الأدب العربي والإسلامي القديم والمعاصر، ومن بينها قصيدة الشاعر الأموي الصَمَّة القُشَيري "خليلي عوجا مِنكُم اليَومَ أودعا" التي تعد من روائع الشعر العربي، ويقول فيها: "وَلَيسَت عَشِيّاتُ الحِمَى بِرَواجِعِ عَلَيكَ وَلَكِن خَلِّ عَينَيكَ تَدمَعَا". كان نظام الحمى يشكل نمط حياة في منطقة آسيا الغربية وشمال إفريقيا لدرجة انه ما زال في تفاصيل الحياة اليومية للناس القاطنين في هذه المنطقة: الأناشيد الوطنية، التعابير، الأفلام السينمائية، وغير ذلك. كلمات النشيد الوطني التونسي تقول: "حماة الحمى يا حماة الحمى". يستعمل كبار السن في مصر ولبنان التعبير وهم يستعدون للنهوض فيقولون: "ياحامي الحمى"، طلباً للقوة والطاقة من الخالق عز وجل.
جذور الحمى قبل وبعد الإسلام
تتجذر الحمى في تقاليد شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، ويجدر القول إن مفهوم الحمى قد طوّر جذرياً بعد مجيئه، إذ وضع التشريع الإسلامي قوانين عليها لتصبح رمزاً للعدالة والاتزان بدلاً من كونها سبيلاً لشرفاء القوم بممارسة الاضطهاد الاجتماعي. فقد كان من تقاليد الجاهلية، كما ذكر الشافعي، أن يقوم أشراف العرب أو شيوخ القبائل عند ترحلهم إلى مناطق جديدة أن يقوموا باستعواء كلب لهم، فتصبح كل الأراضي التي يصلها صوت الكلب ملكاً لهم، أو بالأحرى "حمى" لهم، إذ يحظر على الآخرين دخولها، فيحتكرون حقوق المياه والمراعي فيها لصالحهم. وكان للحمى أيضاً دور ديني في تلك الحقبة، إذ كانت لبعض الأصنام أراضٍ لها، كصنم ذا شرى الذي كان له أرضاً حمتها له عشيرة دوس. وبعد مجيء الإسلام أُلغيت أراضي الحِمى المخصصة لمثل تلك الغايات، وسمح بحماية بعض المناطق لخيول المسلمين وإبل الزكاة وركابهم التي تُعدُّ للجهاد، ومن هنا جاء قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا حِمى إلا لله ورسولِه». أجاز الرسول -ص- الحمى للمصلحة العامة بدلاً من أن تخدم فقط مصالح أغنياء القوم.
دور الحمى في العصور الوسطى
يمكننا تتبع وجود نظام الحمى الذي دام لفترة طويلة خلال العصور الوسطى في المعلومات الفقهية والجغرافية والأدبيات التاريخية في تلك الحقبة، إذ تواجدت الحمى بوقتها في المدن والمناطق الريفية والبدوية. فعلى سبيل المثال، ناقش الفقهاء أمثال الخطابي والماوردي وأبو يعلى والسيوطي الجوانب القانونية للحمى في كتاباتهم. تخبرنا كتب التاريخ أن حمى الربذة تدهورت سنة 319هـ/931م نتيجة لحرب أهلية طويلة بين أهل الربذة وأهل الذارية، فترك أهل الربذة ديارهم وأراضيهم المحمية هرباً من أهوال الحرب، ويُحكى أن قبل تلك الواقعة المؤسفة، كانت منطقة الربذة أجمل منطقة على طريق الحج بين بغداد ومكة.
التحديات التي تواجه نظام الحمى
استمر نظام الحمى على مدى قرون لأسباب مختلفة، فهمها يُسهِل علينا استيعاب سبب اندثار هذا النظام أو تضاؤله بشكل كبير في وقتنا الحالي. كانت عسكرة المجتمع شديدة في تلك الفترات الزمنية التي تسبق الحداثة، والتي سمحت بالعقوبات العنيفة لمنتهكي القواعد، كما أن أحجام القطعان كانت أصغر بكثير نسبياً، وبالتالي فإن التنافس على المراعي كان أقل بكثير، ووتيرة تحرك الرعاة كانت بطيئة بطبيعة الحال بسبب التنقل سيراً على الأقدام. كانت من سبل عقاب مخالفي قواعد الحمى هي ذبح واحد أو أكثر من الحيوانات المتعدية، ومع مرور الأيام أصبحت العقوبات غرامات مالية، أو السجن في حالة تكرار التعدي. تغيرت كل هذه الظروف خلال النصف الأول من القرن العشرين، فقد خضع البدو لسيطرة الحكومات المركزية. فقد مفهوم الحمى خلال النصف الثاني من القرن العشرين مكانته كجزء لا يتجزأ من توفير سبل العيش لمربي الماشية وغيرهم من السكان الريفيين. أدى سقوط الإمبراطورية العثمانية إلى تعزيز سيطرة الدول الأصغر حجماً التي نشأت من أنقاضها. وتم تأميم الأراضي القبلية، وأدى الطلب المتزايد على المنتجات الريفية، وخاصة اللحوم، إلى الإفراط في الرعي.
المقارنة بين الحمى والمحميات الطبيعية
على الرغم من اختلاف نظام الحمى والمحميات الطبيعية، فإن لكلاهما دوراً في حماية الأراضي. تُدار المحميات حكومياً، بينما تعتمد الحمى على إدارة مجتمعية من قبل السكان المحليين. تهدف المحميات إلى حفظ التنوع البيولوجي، بينما تركز الحمى على استدامة الموارد لخدمة المجتمعات الإنسانية. تشجع الحمى الاستخدام المستدام للموارد، بينما تحظر المحميات أي استخدام لهذه الموارد نهائيًا. النشاطات في المحميات غالباً ما تقتصر على البحث العلمي والسياحة، بينما تسمح الحمى بنشاطات إنسانية متنوعة مثل الصيد والرعي، مع وجود ضوابط تحمي البيئة. كما تهدف الحمى إلى تحقيق فوائد للسكان المحليين، مما يجعلها مقبولة لديهم، بينما المحميات غالباً ما تقابل بمعارضة. ومن جهة أخرى، الحمى هي حل أقل تكلفة اقتصادياً، حيث يتحمل المجتمع مسؤولية الحفاظ على الموارد، مما يتطلب دعماً مجتمعياً فعالاً.
المصدر: مجلة National Geographic العربية